محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي

83

الآداب الشرعية والمنح المرعية

يدي معلمه أو عبد بمرأى سيده وما كان العشق إلا لأرعن بطال ، وقل أن يكون في مشغول ولو بصناعة أو تجارة فكيف بعلوم شرعية أو حكمية ؟ فإنها صارفة عن ذلك . وقال أيضا : الأبدان المدللة تستحيل ترابا وفي تدرجها تستحيل دما وقيحا ومدة ، فلو فكر العاشق في حال المعشوق فتر عشقه ، وقال أيضا قولهم : أوحشنا فلان ، الوحشة إنقباض في القلب لفقد المألوف ، وحد الأنس إنبساط القلب وطمأنينته إلى محسوس ، وحد القلق تتابع حركة القلب المزعج ، والوجيب أشد حركات القلب ، والطمأنينة سكون القلب ودعته ، والتشفي درك القلب غرضه من الانتقام ، والغيظ أخفاه طلب الانتقام للعجز عن إيقاعه ، والمؤاخذة المجازاة على الإساءة ، والهيمان الذهاب في طلب غرض لا غاية له ، والكلف الشغف واللهج تطلب الغرض ، والحماقة إهمال قوانين الحكمة ، والتمني تطوح بالأمل ، والشره إسراف الطبع في المطلوب ، وذكر أيضا قول الصابئ الكاتب : وقالوا أفق من لذة السكر والصبا * فقد بان صبح في دجاك عجيب فقلت أخلائي دعوني ولذتي * فإنّ الكرى عند الصباح يطيب وطريق علاجه البعد عن المعشوق بحيث لا يراه ولا يسمع كلامه فإن البعد جفاء وقد قال الشاعر : تزودت من ليلى بتكليم ساعة * فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها والتفكّر في مساويه وقبيح صفاته ، وقد قال ابن الجوزي ما قاله غيره : الاطلاع على بعض العيوب يقدح في المحبة . والنظر في عاقبة المعاصي وما يقترن بها من الذل والعقوبة في الدنيا والآخرة ، فإن عاقلا لا يؤثر لذة ساعة بعقوبة سنة ، كما لا يؤثر ما يساوي درهما على ما يساوي دينارا ، بل إيثار ما يساوي دينارا على ما يساوي درهما شأن العقلاء العارفين ، وكيف يؤثر عاقل لذة ساعة على فوات نعيم من صفته " 1 " " ما لا عين رأيت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر " ؟ نسأل اللّه الجنة لنا ولإخواننا المسلمين ، وليته فات وحسب بل مع فواته يحصل له ضعف في القلب ووهن في البدن وسواد في الوجه وضيق في الرزق وبغضة في قلوب الناس كما قاله الحسن البصري ، وروي عن ابن عباس أيضا ولو ترك هذه اللذة للّه سبحانه كان له عشر حسنات ، واستحق عكس هذه الصفات ، وتحصل له لذة يجد حلاوتها كما رواه الإمام أحمد رحمه اللّه عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ويستحق من فعل هذه اللذة مع ما سبق من الصفات سخط الرحمن وغضب الجبار ودخول دار الذل والهوان وهي جهنم أعاذنا اللّه وإخواننا المسلمين منها ، وقد قال عليه الصلاة والسّلام ، وقد سئل عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال : " الفم والفرج " .

--> ( 1 ) رواه البخاري ( 3244 ) ومسلم ( 4779 ) .